تعريف الصبر للمؤمنين

admin
الصفحة الرئيسية

تعريف الصبر للمؤمنين

تعريف الصبر للمؤمنين



       { وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]، 


الْحٍمَدٍ للـّہ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


     أما بعد :

فإن الله جعل الصبر جواداً لٱ يكبو، وصارماً لٱ ينبو، وجنداً لٱ يُهزم، وحصناً لٱ يُهدم، ومطيّة لٱ يضل راكبها، فهو والنصر متلازمان، فإن النصر مع الصبر، وهو سبيل النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة . 


والصبر زاد المجاهد إذا ابطأ عنه النصر، وزاد الداعية إذا أبطأ عنه الناس بالإجابة، وزاد العالم في زمن غربة العلم، بل هو زاد الكبير والصغير، والرجل والمرأة، فبالصبر يعتصمون، وإليه يلجئون، وبه ينطلقون . 



تعريف الصبر


 الصبر في اللغة :

الحبس ، قال تعالى : {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [ الكهف : 28 ] يعني : احبس نفسك معهم .


وقال بنو إسرائيل كما أخبر الله عنهم  : { لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ } [ البقرة : 61 ] أي : لن نطيق حبس أنفسنا على طعام واحد . 


والصبر في الاصطلاح : حبس النفس عن محابها، وكفها عن هواها .

أو حبس النفس على فعل شيء أراده الله،  او عن فعل شيء نهى الله عنه .


ولذلك قيل للصابر على المصيبة : صابر ، لأنه كَـفّ نفسه عن الجزع . 


وسمي رمضان بشهر الصبر لأن المسلمين يحبسون أنفسهم عن تناول الطعام والشراب والشهوات فيه .


مراتب الصبر

الصبر ليس مرتبة واحدة ،بل هو على مراتب، وبعض تلك المراتب أفضل من البعض الآخر. 


فالصبر على طاعة الله أعلى منزلة من الصبر عن المعاصي، لأن جنس فعل الواجبات أعلى درجة عند الله من جنس ترك المحرمات.


والصبرُ عن المعاصي أعلى منزلة من الصبر على الأقدار المؤلمة،

لأن الصبر على الواجب والصبر على ترك الحرام عملية اختيارية ،

لَـگِنْ المصيبة شيء أُجبِر العبد على الوقوع فيه، لذلك كان الصبر عليه أنزل درجة من الصبر على طاعة الله وعن معصيته.


قال ابن القيم رحمه الله : ( سمعت ابن تيمية يقول : كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته ڵـه في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، لٱ كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر.


وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس، ولاسيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة،  فإنه كان شاباً، وداعية الشباب إليها قوية، وعزباً ليس ڵـه ما يعوضه ويرد شهوته، وغريباً  والغريب لٱ يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكاً والمملوك أيضاً ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة، وذات منصب ، وهي سيدته ، وقد غاب الرقيب ، وهي الداعية له إلى نفسها ، والحريصة على ذلك أشد الحرص ، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصّغار ، ومع هذه الدواعي كلها صبر اختياراً وإيثاراً لما عند الله ، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه ؟! .


والصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية ) .



حكم الصبر

لقد أمر الله سبحانه بالصبر فقال : { وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } [ البقرة : 45 ] ، وقال تعالى : { ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾.

[ آل عمران : 200 ] .


كما أنه سبحانه نهى عن ضده، فقال : { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } [ الأحقاف : 35 ]

وقال لمن واجه المشركين : { فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ } [ الأنفال : 15 ] وقال { وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ } [ آل عمران : 139 ] . 


والصبر تدور عليه الأحكام التكليفية الخمسة : فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرم، ومنه ما هو مباح.


ومما يدل على أن الصبر قد لٱ يكون لازماً قول الله تعالى { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } [ النحل : 126 ] فيجوز للمظلوم أن يقتص من ظالمه بمثل ما ظلمه، ولكن ترك الانتقام والصبر على ذلك خيرٌ من الانتقام. 


فدلّ ذلك على أن من الصبر ما يكون مستحباً ، ولو كان واجباً بكل أنواعه لأوجب الله سبحانه الصبر في هذه الحالة.


قال ابن القيم رحمه الله ( الصبر على الواجب واجب، وعن الواجب حرام، والصبر عن الحرام واجب، وعليه حرام، والصبر على المستحب مستحب، وعنه مكروه، والصبر عن المكروه مستحب، وعليه مكروه، والصبر عن المباح مباح )


 فالصبر واجب في الواجبات، وواجب عن المحرمات ، وواجب في عدم الجزع والتسخط على أقدار الله المؤلمة.


فالصبر على صلاة الفجر واجب.

والصبر عن الزنا واجب.

والصبر عند المصيبة بمنع النفس عن النياحة واجب. 

 ومستحب على المندوبات، وعن المكروهات .

فالصبر على قيام اليل مستحب.

والصبر عن شرب الماء قائماً مستحب.

 وقد يكون مكروهاً إذا صبر عن المستحب ولم يفعله، وصبر على فعل المكروه.

 وقد يكون محرماً وذلك بالصبر على المحرمات.

كصبر الرجل على من يقصد أهله بسوء وهو قادر على دفعه.

 وقد يكون مباحاً وهو الصبر على المباحات او عنها. 


  أنواع الصبر بحسب محله


 الصبر نوعان :

1 ـ بدني.

2 ـ ونفسي. 


 وكل منهما قسمان : اختياري واضطراري، فصارت القسمة أربعة :


بدني اختياري : كتعاطي الأعمال الشاقة.

2 ـ بدني اضطراري : كالصبر على ألم الضرب،  لأنه يُضرب وماله حيلة إلا الصبر.

3 ـ نفسي اختياري : كصبر النفس عن استماع الموسيقى مثلاً .

ـ نفسي اضطراري : كصبر النفس عن فقد المحبوب الذي حيل بينها وبينه.


والبهائم تشارك الإنسان في النوعين الاضطراريين،  ولكن الصبر الاختياري هو الذي يميز الإنسان عن البهيمة.


وقت الصبر

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : مرّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال : « اتَّقِي الله واصْبِري » قالت : إليك عَنّي، فإنك لم تُصَبْ بمُصيبتي ! ولم تعرفه ‘ فلم يشأ ﷺ أن يجادل المرأة في هذه الحال، وهذا هو الموقف الصحيح للداعية في مثل هذا الحال ـ فقيل لها : إنه النبي ﷺ !! فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين ، فقالت : لم أعرفك. فقال : (( إِنّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصّدْمَةِ الأُولَى ))  .


قال القرطبي : إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها ، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر ، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك، ولذلك قيل : ( يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لابد للأحمق منه بعد ثلاث)  


حقيقة الصبر


 الصبر على طاعة الله

الصبر على طاعة الله أعظم أنواع الصبر وأشده على النفوس، وقد أمر تعالى به في مواضع من كتابه فقال :{ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } [ مريم : 65 ] ، ولفظ ( اصطبر )  أكمل وأبلغ من لفظ ( اصبر )  لأنه الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، وقال تعالى : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا } [ طه : 132 ] أي : اصبر على الصلاة وعلى أمر الزوجة بالصلاة.


 وحقيقة الصبر على الطاعة إنما تكون في ثلاثة أحوال :


 قبل الطاعة : وذلك بالصبر على تصحيح النية، وطرد شوائب الرياء.


 وأثناء الطاعة : وذلك بالصبر على عدم الغفلة عن الله فيها ، وعدم التكاسل عن أدائها، ومراعاة واجباتها وأركانها ونحو ذلك.


 وبعد الفراغ ‏​‏​منها  : وذلك الصبر بالصبر على عدم إفشائها، وعدم العُجب والَمنّ بها،  قال تعالى : {  لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى .. } [ البقرة : 264 ] ، وقال { وَلَا تُبْطِلُوٓاْ أَعْمَٰلَكُمْ } [ محمد : 33 ] .


 الصبر عن المعاصي :


وهو مثل سابقه، فيجب الصبر عن المعصية قبل تركها باستحضار النية، وأثناء الترك بالصبر عنها وعدم مزاولتها، وبعد ذهاب داعي المعصية بعدم العُجب بعمله.


 الصبر على المصائب : 

 

قال مجاهد : ( الصبر الجميل الذي لٱ جزع فيه) .


فالذي ينافي الصبر هو مثل ما يحدث من النائحات وغيرهن، من لطم الخدود، وشق الجيوب، وضرب الرؤوس، مغ الصراخ والعويل والدعاء بدعوى الجاهلية .

وأما أن يخبر الإنسان الطبيب بعلته ليداويه فلا بأس بذلك، وكذا أنين المرض وتألمه الذي يقصد به الاستراحة والتنفيس عن ألمه. 


وأما قول سفيان الثوري رحمه الله : ( ثلاث من الصبر : أن لٱ تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك)


فالمقصود به،  ألا تحدث بوجعك ومصيبتك على سبيل التسخط وعدم الرضا، إما إذا حدثت بها وأردت من وراء ذلك غرضاً صالحاً، كأن تسأل الناس عن سبيل علاج مرضك، أو كيفية الخروج من مأزقك،  وهكذا،  فإن هذا ليس من باب التسخط، ولا يخرج الانسان عن كونه صابراً.


وليس كل من يَدّعي الصبر يكون صابراً،  بل إن كثيراً من الناس يكون ظاهر حاله الصبر على المصيبة، ولكنه في قرارة نفسه قد أصابه الجزع. 


 مجالات الصبر :

إن أصل الصبر يقع في ثلاثة أمور : الصبر على طاعة الله، وعن معصيته ،وعلى قضائه وقدره. وإذا أردنا أن نُفرع عن تلك الأمور مجالاتٍ أخرى لوجدناها عديدة ، ونذكر هنا أهم تلك المجالات التي تمر بالإنسان كثيراً، والتي لـٍهآ أهمية خاصة.  


1 ـ الصبر على بلاء الدنيا 

2 ـ الصبر على مشتهيات النفس 

3 ـ الصبر عن التطلع إلى ما بيد الآخرين 

 4 ـ الصبر على مشاق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى

 5 ـ صبر حين البأس 

 6 ـ الصبر في طلب العلم 


    ختاماً :

لقد علمنا النبي ﷺ الصبرَ كوسيلةِ لمواجهة الأزمات والشدائد، فعن أبي ثعلبة الخُشني رضي الله عنه عن الرسول ﷺ قال : ( إنَّ مِنْ ورائِكُمْ أيامَ الصبرِ ، الصبرُ فيهِ مثلُ قَبْضٍ علَى الجمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهم مثلُ أَجْرِ  خَمْسِينَ مِنْكُمْ ) 

وقد قصد النبي ﷺ بأيام الصبر أيام الابتلاء في الدين، والشهوات المستعرة، والشبهات المستحكمة، والتي يكون فيها الصبر على الدين كالقبض على الجمر ، والصابر في تلك الأيام هو المرء الذي يصبر على دينه ، فلا يتزلزل بالشبهات، ولا ينقاد للشهوات ، ولا يخرج عن دينه مهما حصل له من العذاب.


وإنما سماها أيام الصبر لأنه لٱ يستعمل فيها إلا الصبر ، ولا طريق للمسلم الا الصبر. 


وكان وصية الصالحين من أهل الأديان السابقة لأبنائهم بالصبر، فهذا لقمان الحكيم يوصي ولده بأن يصبر على ما أصابه في سبيل الله : { يَٰبُنَىَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ } [ لقمان : 17 ]


ونحن اليوم قد تكالب علينا الأعداء ، واستُضعف أهل الإيمان والتقوى، وتصدر الفجار والزنادقة، وانتشر الفساد عبر الانترنت والقنوات الفضائية فليس لنا اليوم إلا الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته ، والصبر على المصائب والأقدار.


فيا ضعيف العزم، الطريق طويل ، تعب فيه آدم ،وجاهد فيه نوح، وأُلقي في النار إبراهيم، وأضجع للذبح إسماعيل، وشُق بالمنشار زكريا، وذبح الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب،

وزاد على المقدار بكاء داوود، واتهم بالسحر والجنون نبي الله الكريم، وكسرت رباعيته، وشج رأسه ووجهه، وقُتل عمر مطعوناً، وعذب ابن المسيب ومالك، فلا سبيل الا الصبر.


واعلم أن الصبر مهما شق عليك وصَعُب فإن عدمه أصعب،

لأن الصبر عن محارم الله تعالى أيسر من الصبر على عذاب جهنم، والصبر على طاعة الله خير من الصبر على الأغلال.


فنعم المنزلة هي منزلة الصبر، ونعم الخُلق هو خُلق الصبر، ونعم الأهل أهل الصبر.


  اللهم اجعلنا من الذين فتحوا باب الصبر، وردموا خنادق الجزع، وجازوا شديد العقاب، وعبروا جسر الهوى، اللهم اجعلنا من الذين أشارت إليهم أعلام الهداية، ووضحت لهم طريق النجاة، وسلكوا سبيل إخلاص اليقين



      وآخر دعوانا أن الْحٍمَدٍ للـّہ رب العالمين .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

google-playkhamsatmostaqltradent